
هل تعرف عنوان مركز الإبداع الأقرب إليك؟
فبراير 9, 2025
التحول الرقمي في إستونيا: نموذج رائد للحكومة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي
فبراير 15, 2025ما المقصود بمرونة الأعمال؟
مرونة الأعمال (Business Agility) هي قدرة المؤسسة على التكيف بسرعة وفعالية مع التغيرات في السوق والبيئة التجارية. تشمل مرونة الأعمال مجموعة من القدرات والممارسات التي تمكن الشركة من الاستجابة للتحديات والفرص الجديدة بشكل سريع وفعال، مع الحفاظ على أداء عالٍ.
تظهر أهمية مرونة الأعمال في عدة مكتسبات حيث تساعد مرونة الأعمال الشركات على التكيف مع التغيرات السريعة في السوق، والبيئة الاقتصادية، مما يمكنها من البقاء والتنافس. وقد ظهر هذا في شركات كثيرة في الحقبة الأخيرة حيث نرى الشركات التي استطاعت البقاء في ظل ظروف الثورة سنة 2011 وأُخْرى التي استطاعت البقاء في ظل وباء فيروس كورونا ومؤخرًا الشركات التي تحاول البقاء في ظل الظروف الاقتصادية القاسية من تعويم وتغيير فوائد الإِقراض إلى جانب تحديات سلاسل الإِمداد والتموين بسبب الحروب العالمية. وتسهم مرونة الأعمال في تحسين الأداء والكفاءة التشغيلية من خلال تبني أفضل الممارسات والتقنيات الحديثة مما يتيح للشركات تقديم خدمات ومنتجات مخصصة تلبي احتياجات وتوقعات العملاء بشكل أفضل. وتساعد مرونة الأعمال على تقليل المخاطر المرتبطة بالتغيرات غير المتوقعة من خلال استراتيجيات استباقية و تخطيط محكم وتعزيز لثقافة الابتكار داخل المؤسسة، مما يؤدي إلى تطوير حلول جديدة وإيجاد فرص نمو جديدة.
فبشكل عام، مرونة الأعمال تعتبر عاملاً حاسمًا لنجاح، واستدامة الشركات في بيئة الأعمال المتغيرة، والسريعة تشمل مرونة الأعمال عدة أركان رئيسة من أهمها أولًا الاستجابة السريعة للتغيرات والتي تمثل قدرة الشركة على سرعة تعديل استراتيجياتها، وعملياتها استجابة للتغيرات في السوق أو البيئة الخارجية. ويعتبر هذا العنصر من أهم عناصر مرونة الأعمال في ظل المتغيرات الكثيرة والسريعة التي يشهدها العالم في الآوِنَة الأخيرة من حروب وأَوْبِئة وتحديات اقتصادية.
ثانيًا التزام الشركة بالابتكار المستمر من خلال تطوير منتجات، وخدمات جديدة وتطبيق تقنيات جديدة لتحسين الكفاءة والقدرة التنافسية. ثالثًا التركيز على العميل، ووضع احتياجات، وتفضيلات العملاء في محور عمليات اتخاذ القرار لتلبية توقعاتهم، وتحقيق رضاهم. رابعًا استبدال العمل الفردي بثقافة العمل الجماعي، والتواصل المفتوح لضمان مرونة العمليات وتحقيق الأهداف المشتركة. ثم تأتي أهمية تقييم الأداء وتحليل البيانات لاكتشاف مجالات التحسين المستمر. وأخيرًا وليس آخِرًا استخدام التكنولوجيا لتحسين العمليات، مثل الحوسبة السحابية، تحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي.
الجدال حول أهمية تكنولوجيا المعلومات كأحد أركان مرونة الأعمال
ولكن يبقي الجدال المتداول في كثير من الشركات في مختلف المجالات فيمن يرى تكنولوجيا المعلومات فرصة وآخَرُون من يروها تحديًا. والواقع ان تكنولوجيا المعلومات هي عملة ذات وجهين، فهي تمنح فرصًا لكثير من الشركات، و لكن من الوجه الآخَر فلها كثير من التحديات.
تمنح تكنولوجيا المعلومات كثيرًا من الفرص حيث إنها تساعد الشركات على التكيف بسرعة مع التغيرات في السوق والبيئة التجارية، مما يزيد من مرونتها وقدرتها على البقاء. هذا بالإضافة إلى تحسين الكفاءة، والإنتاجية حيث يمكن لتكنولوجيا المعلومات تحسين العمليات التجارية، مما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتقليل الأخطاء البشرية.
وتمنح تكنولوجيا المعلومات الشركات القدرة على زيادة قاعدة العملاء من خلال فتح أسواق جديدة. هذا إلى جانب تحسين التفاعل مع العملاء، من خلال منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات خدمة العملاء وخفض التكاليف التشغيلية وتحسين إدارة الموارد.
ولكن بتناول الوجه الآخر، نجد أن تكنولوجيا المعلومات تمثل الكثير من التحديات ومنها، التكلفة الأولية، حيث تحتاج الشركات إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية مما قد يكون تحديًا خاصةً للشركات الصغيرة، ويتطلب نشر تكنولوجيا المعلومات تعزيز إجراءات الأمن السيبراني لحماية البيانات من الهجمات الإلكترونية
وتطبيق الخطط البديلة في حال حدوث أعطال أو هجمات سيبرانية. وقد تواجه الشركات مقاومة من الموظفين الذين يجدون صعوبة في التعامل مع التكنولوجيا الجديدة، بالإضافة إلى احتياج الشركات إلى مهارات تقنية متقدمة، مما قد يتطلب تدريب الموظفين أو توظيف خبراء متخصصين.
وهناك العديد من الشركات التي تطبق مرونة الأعمال بفعالية، مستفيدة من تكنولوجيا المعلومات لتحسين الكفاءة والتكيف مع التغيرات السوقية. فتأتي في مجال التجارة الإلكترونية شركة أمازون (Amazon) والتي تستخدم تكنولوجيا المعلومات لإدارة سلسلة التوريد بشكل فعال، مما يسمح لها بسرعة التكيف مع تغيرات الطلب وتجنب نفاد المخزون، وتعتمد أيضا على تحليل البيانات لتحسين تجربة العملاء، وتقديم توصيات مخصصة، مما يزيد من المبيعات والولاء للعلامة التجارية. وفي مجال وسائل الإعلام الترفيهية تأتي نيتفليكس (Netflix) والتي تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لتقديم توصيات بتخصيص المحتوى للمستخدمين، مما يزيد من وقت المشاهدة والاشتراكات. وتأتي تسلا (Tesla) في مجال تصنيع السيارات، حيث تستطيع تسلا تحديث برامج سياراتها عن بعد، مما يتيح لها تقديم إصلاحات دون حاجة العميل إلى زيارة مراكز الخدمة. فهذه الأمثلة تظهر كيفية تبني مرونة الأعمال بفعالية في الشركات الكبيرة من خلال الابتكار التكنولوجي وتطوير البنية التحتية الرقمية.
دور مرونة الأعمال في تحقيق أهداف التنمية المستدامة
استنادًا إلى رؤية 2030 نرى أن مرونة الأعمال تلعب دورًا فعالًا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs) التي وضعتها الأمم المتحدة وتهدف إلى تحقيق مستقبل أفضل وأكثر استدامة للجميع بحلول عام 2030، وتشمل 17 هدفًا تغطي مجالات متنوعة.
ففيما يخص الهدف الأول وهو القضاء على الفقر، نجد أن الشركات المرنة يمكنها التكيف مع الظروف الاقتصادية المتغيرة؛ مما يساعد على استقرار الوظائف ودعم المجتمعات المحلية. ويمكن للشركات المرنة التي تعمل في مجال الزراعة والغذاء تبني تقنيات زراعية جديدة وتحسين سلاسل التوريد لضمان توافر الغذاء واستدامته، وهذا يساعد على تحقيق الهدف الثاني، وهو القضاء على الجوع. أما فيما يخص الهدف الثالث من حيث الصحة الجيدة، فيمكن للشركات في قطاع الرعاية الصحية التكيف بسرعة مع الابتكارات التكنولوجية؛ مثل الجراحة الروبوتية واستخدام التطبيب عن بُعد (Telemedicine) كما حدث أثناء وباء كورونا.
ولتحقيق الهدف الرابع حيث التعليم الجيد، فنري المؤسسات التعليمية المرنة يمكنها تبني تقنيات التعلم عن بُعد وتوفير تعليم متميز بغض النظر عن الموقع الجغرافي. والهدف الخامس يحث على المساواة بين الجنسين فنرى الشركات المرنة تدعم سياسات العمل التي تعزز المساواة بين الجنسين وتوفر بيئة عمل شاملة وداعمة للنساء. بينما في الهدف السادس المعني بالمياه النظيفة والنظافة الصحية فنرى الشركات التي تعمل في قطاعات المياه والنظافة يمكنها تبني تقنيات جديدة لضمان توفير المياه النظيفة والصرف الصحي؛ مثل تقنية النانو و تقنية الأشعة فوق البنفسجية. وفيما يخص الهدف السابع المعني بالطاقة النظيفة فنجد أن شركات الطاقة المرنة يمكنها تبني مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية والتكيف مع التطورات في تكنولوجيا الطاقة.
ثم الهدف الثامن المعني بالعمل اللائق ونمو الاقتصاد، فنرى أن الشركات المرنة تساهم في خلق فرص عمل مستدامة وتحسين الظروف الاقتصادية للمجتمعات من خلال تطبيق نماذج أعمال جديدة وتشجيع ريادة الأعمال في المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.
أما الهدف التاسع يخص الصناعة والابتكار فنرى أن المرونة في الصناعات تساهم في تبني الابتكارات وتحسين البنية التحتية. وبالرجوع إلى الهدف العاشر المعني بالحد من أوجه عدم المساواة، فنرى أن الشركات المرنة التي تعتمد على تكنولوجيا المعلومات يمكنها تبني سياسات تعزز المساواة والاندماج الاجتماعي والاقتصادي لجميع الأفراد مثل القادرون باختلاف من خلال توفير فرص عمل تناسب إمكاناتهم. أما عن الهدف الحادي عشر حيث مدن ومجتمعات مستدامة فنرى أن الشركات العقارية، والإنشائية المرنة يمكنها تطوير حلول سكنية مستدامة باستخدام أحدث التكنولوجيات في مجال البناء لتحسين الكفاءة الطاقية، وتقليل النفايات. وصولًا إلى الهدف الثاني عشر حيث الاستهلاك، والإنتاج المسؤولان فيمكن للشركات المرنة تبني ممارسات إنتاج، واستهلاك مستدامة؛ مما يقلل من النفايات ويحسن كفاءة الموارد. وعند الهدف الثالث عشر المعني بالعمل المناخي، فإن الشركات التي تتبنى استراتيجيات مرنة يمكنها التكيف مع التغيرات المناخية وتنفيذ ممارسات تقلل من تأثيرها البيئي والتي تبدأ بخفض الانبعاثات الكربونية.
ويلي الهدف الرابع عشر للعمل على الحياة تحت الماء، فإن الشركات التي تعمل في قطاع المحيطات والبحار يمكنها تبني ممارسات مستدامة تحافظ على الموارد البحرية مثل الحد من التلوث البلاستيكي ومراجعة ضوابط النقل البحري كأنواع طلاء السفن. أما عن الهدف الخامس عشر، حيث الحياة في البر فإن الشركات الزراعية والبيئية يمكنها تطبيق تقنيات مرنة تحافظ على التنوع البيولوجي وتعيد تأهيل الأراضي المتدهورة. مرورًا بالهدف السادس عشرالمعني بالسلام والعدل والمؤسسات القوية فنرى أن الشركات المرنة يمكنها دعم الحكم الرشيد من خلال المساءلة والشفافية والمشاركة لإعداد تدابير مكافحة الفساد. وأخيرًا الهدف السابع عشر والذي يتناول الشراكات لتحقيق الأهداف فنلاحظ أن الشركات التي تتبنى مرونة الأعمال يمكنها إقامة شراكات فعالة مع الحكومات والمنظمات غير الحكومية مثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة اليونسكو لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
حقائق عن مكاسب تطبيق مرونة الأعمال
ولكن يختلف تطبيق مرونة الأعمال من شركة إلى أخرى ومن قطاع إلى آخر، وتعتمد نسب التطبيق على عدة عوامل بما في ذلك حجم الشركة، الصناعة، المنطقة الجغرافية، والثقافة التنظيمية. وهناك بعض الدراسات والتقارير التي تعطي نظرة عامة حول هذا الموضوع.
ففي تقرير McKinsey & Company لعام 2021 حول التحول الرقمي أشار إلى أن %85 من الشركات التي نجحت في التحول الرقمي أظهرت مرونة عالية في الأعمال، مما ساعدها على التكيف بسرعة مع التغيرات السوقية والتكنولوجية.
وأشار تقرير (Deloitte) عن مرونة الأعمال لعام 2022 إلى أن %60 من الرؤساء التنفيذيين يعتقدون أن مرونة الأعمال أصبحت أولوية استراتيجية عليا لشركاتهم. وتقرير (IBM) عن التحول الرقمي والمرونة لعام 2021 ذكر أن %70 من الشركات التي تبنت استراتيجيات رقمية مرنة تمكنت من تحقيق نمو أسرع وتكيف أفضل مع التغيرات السوقية.
هذه الدراسات والتقارير توضح أن هناك توجهًا متزايدًا نحو تبني مرونة الأعمال في مختلف القطاعات والصناعات. ومع ذلك، تلعب التحديات والعوامل المحلية دورًا كبيرًا في تحديد مدى تطبيق مرونة الأعمال في كل شركة. بشكل عام، هناك اتجاه متزايد في الوعي والاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي كجزء من استراتيجيات مرونة الأعمال والتكيف مع التغيرات العالمية.
في المجمل، يمكن للشركات تحقيق فوائد كبيرة من خلال مرونة الأعمال وتبني تكنولوجيا المعلومات، لكن من الضروري أيضًا مواجهة التحديات بنجاح لضمان تحقيق هذه الفوائد. باختصار، إن مرونة الأعمال والاستثمار في تكنولوجيا المعلومات يعززان قدرة الشركات على الابتكار والتكيف، مما يساهم بشكل كبير على تحقيق أهداف التنمية المستدامة عبر دعم النمو الاقتصادي المستدام، وتحسين الظروف الاجتماعية، وحماية البيئة.
د. رشا وهيب
أستاذ مساعد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
المصدر/ مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار



